Monday, October 29, 2012
صلة الرحم
كل ما في هذه الدنيا يشجع على الوحده, يجب ان تمارس الرياضه, يجب ان تكون لديك انجازات يجب ان يكون لديك وقت لتفعل كذا, يجب ان تضع كذا وكذا في حسبانك والنتيجه هي انك تبقى وحيدا لتتمكن من ملاحقه كل هذه المتطلبات, وحتى لو لم تكن وحيدا فستتمنى لو انك كنت كذلك, على الاقل في بعض الاحيان, ستتمنى لو لم يكن حولك احد لتتمكن من مشاهدة التلفاز او الاسترخاء او فعل ما تريد دون الالتزام مع احد.
اين هوالعالم اليوم؟ كيف هو العالم اليوم؟ صف لنا حاله. لا اقصد العالم السياسي والجغرافي ولكن اقصد الناس, الحاله الروحيه لدى الناس. واذا كنت تجد انه من المستحيل معرفه ما في نفوس كل الناس فلا داعي لذلك, انظر فقط في داخل نفسك فنفس كل منا هي مرآه لحال العالم كمايقول سيدنا علي بن ابي طالب "وتحسب انك جرم صغير وفيك انطوى العالم الاكبر" .
كلنا يظن انه يتبع طريقه الرسول ونهجه. كلنا يظن ان له نصيب في الايات والاحاديث التي تصف المؤمنين ولكن نظرة سريعه داخل نفوسنا تثبت لنا عكس ذلك حيث الغيره والحقد والحسد وبغض من فضلهم الله والكفر بانعم الله وترك ما في ايدينا والنظر الى ما في ايدي الناس وغيرها من الهرج والمرج الذي يسود داخل نفوسنا ويفيض منها الى العالم الخارجي.
ان ما يحدث في داخل نفوسنا لا يمكن ان يكون بمعزل عن العالم الكبير بل هو جزء منه ولولا ذلك لكانت كل صلوات الناس واعمالهم سواسيه اما تقبل كلها او لا تقبل كلها دون استثناء ولها نفس التاثير وتلقى نفس درجه القبول من الله وهذه ليست الحال ابدا.
شعار الناس اليوم الكراهيه بدلا من المحبه. نحن نكره الجميع كقاعده عامه والاستثناء هم القليل الذين نحبهم. هذه الحال ليست من الدين في شيء وليست من الاخلاق في شيء ولكنها حالنا كلنا سواء رغبنا بالاعتراف بذلك ام لا. الدين المعامله. هذا امر مخيف حقا اذا فكرنا فيه جيدا. اذا كان الدين المعامله فاذن ليس منا من له دين الا القليل. لا اتكلم عن تقبل الناس على مضض و تربص الدوائر بهم لكي يحيق بهم مكروه لاننا نخاف العواقب ان اسانا اليهم بنفسنا. الكل يفعل هذا وهذا لا يعتبر معامله حسنه للناس.
القضيه واضحه ولا لبس فيها, رضى الله في سخط النفس. المؤمن نفسه منه في سخط والناس منه في راحه. اي انه غاضب من نفسه. كم منا يستطيع ان يغضب من نفسه ليرضي الاخرين؟ النفس تسخط لانه يدفعها في طرق لا تريد الذهاب فيها ولكنه احسن لها ان ذهبت, مثل لمريض الذي يتجنب العلاج الناجع لانه يؤلم قليلا ويفضل العيش مع المرض, كما يقول سيدنا علي بن ابي طالب "من عصى نفسه فقد وصلها". النفس لا تريد ان تسامح من اساء اليها وتعطي من منعها وتبتسم في وجه من اهانها وتستضيف اليوم من طردها بالامس وتقدم المعروف لمن طلبت منه معروفا وامتنع. النفس لا بعجبها اي من هذا وتتلذذ بالانتقام ورؤية المهانه والمذله والحزن على وجوه من اساؤوا اليها بل تذهب ابعد من هذا وتكره السعداء حتى وان لم يسيئوا اليها.
نعم, ليس سهلا ان نحزن لحزن الناس, خاصة اذا كانوا لنا ظالمين. ولكن احيانا نتمكن من السمو فوق انفسنا والشعور بالاسى لاجلهم, خاصة اذا كانت مصيبتهم كبيره. وحين يحصل هذا نشعر بالفخر لاننا شعرنا بالشفقه عليهم ونعجب بانسانيتنا وقلبنا الكبير. ولكن الامر الصعب فعلا, الامر الذي لا تستطيعه الا القله القليله, هو الشعور بالفرح لفرح ناس اخرين, حتى وان كانوا الينا محسنين ولم يؤذوننا طرفة عين, ولكن هذا ليس عدلا ابدا. كيف نتوقع رحمة من الله اذا كنا نحن لا نستطيع ان نعدل فقط مع من حولنا؟ فضلا عن نرحمهم؟
وبالحديث عن العدل, ان من العدل ان نذكر اخطاء وهفوات الناس حتى اذا احسنوا الينا وكانوا يحبوننا ونحبهم, كلنا نفعل هذا ونعتبره عدلا. ولكن اليس من العدل ايضا ان نذكر محاسن من اساؤوا الينا اذا جرى ذكرهم في محفل ما؟
هذاالمرج في قلوبنا هو الذي يدفعنا الى النفور من الناس والاعراض عنهم واستبدالهم بالكتب والانترنت والتلفاز. وخصوصا الاقارب "الارحام" والجيران الذين لا خيار لنا في انتقائهم والذين اعتنى بهم الله ورسوله عناية خاصه لهذا السبب. لذلك نحن نحاول ان نبقى على اتصال بهم فندعوهم و لكننا نامل سرا ان لا يلبوا الدعوه. نحن نريد حريتنا والاهل والاقارب يسلبوننا تلك الحريه. كل واحد فيهم لديه خصله مزعجه منفره, منهم من يحقد علينا ويحسد نجاحاتنا سرا ومنهم من هو ابله طفيلي مزعج ومنهم ينصب نفسه حاكما على افعالنا واقوالنا ومنهم من لسانه يقطر سما ومنهم من يكره الناس ويميل الى العزله اكثر منا ولابد ان نخرج بخسارة ما من الاتصال بهم. وجهاز الحاسوب وديع مسالم هاديء, لا يضيع وقتنا ويعطينا ما نريده تماما لا اكثر ولا اقل. لماذا اذن اوصانا القرآن بصله ارحامنا وما هي الغايه من ذلك؟ لاننا نفعل ما نفعله لاجل الناس, لاننا نعيش للناس وبالناس, لان الانسان يكون مشوها ناقصا مجنونا اذا كان وحده ولكنه يكتمل بالناس المحيطين به. لان الارحام هم من يبقوننا ثابتين ويقوننا من الانحراف في هذا العالم الذي يكثر فيه الناعقون ويسوده الهرج والمرج.
حين التقي باناس عظماء, اناس ذوي عز وجاه وانجازات كبيره, احاول ان اشوف انجازاتهم بالمنخل. غالبا ما ارى انها كلها لن تتحقق الا اذا اخذنا من الاخرة واعطينا للدنيا. وهذا امر لا يمكن ان اريده لنفسي. حينما احس بصغري وضعفي امامهم ابدا بتذكر قصة في كتب الاطفال عن فار صغير يتعب من كونه مطاردا من القطط ويظن انه ان اصبح قطا فستنتهي متاعبه, فيتمنى ان يصبح قطا وبالفعل يتحول الى قط كبير. ولكنه يكتشف ان القطط تخاف من الكلاب فيتمنى ان يصبح كلبا ويتحول الى كلب وهكذا الى ان يصل الى اعظم مخلوق -لا اتذكر ما هو, اظن انه كان الانسان- فقط ليكتشف ان الانسان يخاف من الفار! فيتمنى ان يعود فارا كما كان.
ان كانت محاولتي لفعل الصواب جعلت ممني فار صغيرا فانها ايضا جعلت مني مخلوقا يهابه اعظم المخلوقات. لا ينبغي ان اهاب الناس لان لديهم انجازات حققوها بطرق ملتويه. هم يهابونني لان لدي مبادئا لا اتخلى عنها -لكي يكون هذا المنطق صحيحا يجب ان يكون لديك مبادئا لا تتخلى عنها وليس مجرد كلام-
بعضنا يظن ان هنالك عظمه في التخلف عن الناس ومغايرة ما يصنعون وهذا صحيح اذا كانوا في معصيه ما. اذا اغتابوا فلا تغتب واذا شربوا الخمر فلا باس من مقاطعتهم وان انتقدك الكل لقله احترامك لمضيفيك لانك اردت ان تصلي اولا قبل الطعام وقد احضر فلا باس في ذلك فان من استانس بالله استوحش من الناس. ولكن في نفس الوقت لا تنقطع عن الناس وحاول ان تصنع ما يصنعون ان لم يكن حراما فان يد الله مع الجماعه, وانعزالك عن الناس لا يعني انك افضل منهم بل العكس هو الصحيح غالبا, كما ان من يكثر من العزله ويصنع امورا مخالفه تسبب له الغيبه فهو شريك في الاثم.
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
No comments:
Post a Comment