Monday, October 29, 2012

الشيطان سيد المسوقين

شارع ماديسون" في نيويورك هو من اهم الشوارع في امريكا, مع انه لم يسمع عنه الا القليل من غير الامريكان. فالكل يعرف "ديزني لاند" و "هوليوود" و"البيت الابيض" لكنهم لا يعرفون هذا الشارع مع ان القرارات التي يتم اتخاذها في هذا الشارع توازي اهمية تلك التي تتخذ في البيت الابيض. انه الشارع حيث توجد اغلب شركات الدعايه والتسويق. هناك يصنعون الاحلام و يبيعونها للناس. قد تكون الاحلام بشكل مشروب يتجمع حوله الاصدقاء و تبدو الحياة اجمل بكثير مما هي عليه, وقد يكون علبة حساء تظهر لم ان العائله السعيده لابد وان تشتري هذا النوع من الحساء المعلب, وق يكون آلة تنحيف, او معجون اسنان, اواصبع شوكولاته. في هذا الشارع تصنع المقاييس لكل شيء, مقاييس الجمال وماذا يعني ان يكون الانسان جميل الصوره ومقاييس السعاده وكيف يجب ان تكون عليه الحياة السعيده, وانت الشخص العادي المسكين لم تكن لديك ادنى فكره. كنت تظن نفسك سعيدا مرتاح البال متصالحا مع نفسك ومع الناس, تعيش يومك قانعا بما لديك ولكن فجأة تكتشف ان نمط حياتك وشكل وجهك وعدد اطفالك ولون بيتك ليسوا طبقا للمعايير المطلوبه, فتبدا حياتك بالتحول الى جحيم. وقتها سيكون لديك خيارات, اما ان تترك الحياة التي تعرفها بحثا عن حياة تظنها موجوده ولكنها لا توجد الا في الدعايات واما ان تكون قد استثمرت كثيرا في حياتك ولا تستطيع الخروج منها, حينئذ ستبقى ولكن على مضض وستتحول حياتك جحيما لا يطاق. وستهرب من واقعك اليومي بالاحلام او الادمان على الطعام والعمل والتسوق. او تقرر ان تعتزل الناس وتعيش وحيدا, وهذا ما يفعله معظم من في الولايات المتحده. كيف تبيع تلك الشركات المنتجات للناس؟ انها تعرف عن الناس اكثر مما يعرف الناس عن انفسهم. انهم يعرفون -مثلا ان الفرد الامريكي الذي عمره بين 25 و 35 سنه يشاهد التلفزيون لكذا عدد من الساعات يوميا ويذهب للتسوق كذا عدد من المرات اسبوعيا ويشتري هذا النوع المعين من المنتجات في هذا الوقت المعين من السنه وهكذا. وكيف يعرف هؤلاء هذا القدر عن اناس لم يلتقوا بهم؟ من طرق عديده اولها انهم هم من يصنعون هؤلاء الناس. من اين ياتي الناس بافكارهم؟ من التلفاز والاعلام بشكل عام فاذا كانت لك يد في صناعه التلفاز -واغلب شركات الدعايه تدار من قبل نفس الاشخاص والمؤسسات التي تدير الاعلام- فان لك يد في صناعة اختيارات الناس, بل وبناء شخصيتهم. واذا لم يتمكنون من رسم صورة واضحه لمستهلكهم فانهم يلجاؤون الى طرق اخرى مثل تصنيف الناس الى مجموعات واخذ عينات من تلك المجموعات ودراستهم او استعراض اراء مجموعه من الناس ليعرفوا ماذا يفكرون او في بعض الاحيان البحث في قمامة الافراد او الشركات الاخرى ان اعيتهم الحيله! وهذه ليست طرقا لبيع المنتجات فقط, بل يمكن تعميمها لبيع الافكار والاحلام والقناعات. وهي ليست صالحه فقط للولايات المتحده او للغرب ولكن يمكن استعمالها لكل زمان ومكان. كيف تفسر انسلاخ العرب من جلدهم ولبسهم ثوب الغرب وتبنيهم افكارهم وتقليدهم لهم في كل شيء؟ مالنا ولعيد الحب؟ لماذا نأكل الفشار حين نشاهد الافلام؟ لان هذا نمط الحياة. ومن جعل هذا نمط حياتنا؟ حين طرد الله الشيطان من رحمته بعد ان رفض السجود لآدم, تأججت لديه روح الانتقام. فأخذ على نفسه عهدا امام الله وقال "لاقعدن لهم صراطك المستقيم" اي سأبذل كل ما لدي من مكر وسعة حيله –وما اوسع حيلة الشيطان- لأصد بني آدم عن الطريق المستقيم الذي رسمته لهم, اي رب. وقد اعلنت تلك العباره بداية الحرب على الانسان. والآن وقد شارفت الحرب على نهايتها فقد سعر الشيطان واصبح يتفنن في اساليبه ومكره بشكل لم يسبق له مثيل في التاريخ. عجبت لمن آمن بالقرآن بأنه كلام الله كيف لا يصدق بنظرية المؤامره. هذا الوعد الشيطاني الا يبقيهم يقظين في الليل؟ الا يجعلهم دائما حذرين متسائلين, في اي منعطف مظلم يقبع لهم الشيطان؟ في احلامهم؟ في طموحاتهم؟ في حبهم للطعام.. للمال..للسلطه..لاثبات الذات..للتميز..في غيرتهم..حسدهم..غضبهم..جشعهم..في الاعلام..في الشارع..في المطعم..في اللقاءات..الاجتماعات..الخلوات..في..في. الم يتسائلوا يوما كيف يستطيعون ان يشاهدوا التلفاز لثلاثة ايام متواصله, او الحديث لساعتين عن مواضيع يجدونها هم انفسهم تزهق الارواح من الضجر, لكن الدقائق الخمسه التي تستغرقها الصلاة –صلاة المسلمين وليست الصلاة للشمس او القمر او كهنة الكنيسه- كم هي متعبة هذه الدقائق وبالغة الصعوبه لمن يريد الالتزام بها. اذا كنت تعيش في الولايات المتحده, او مرتع الشيطان و مملكته و مقره الرئاسي, فأياك ان تقول ان هذا او ذاك في تلك الدوله من صنع الشيطان. لقد سخر الاعلام عموما والسينما خصوصا ممن يقول هذا بتصويرهم وكأنهم جهلة حمقى ينعتون كل ما لا يفهمونه بانه من الشيطان فالفن من الشيطان والبحث العلمي من تأثير الشيطان . انهم يقارنون الصور العارية بأيجاد علاج للسرطان. وبذلك اختلطت الامور على الناس وشيئا فشيئا اصبح الجهل صفة من يذكر الشيطان بسوء. سياسة بسيطة في ظاهرها ممعنة في الدهاء في جوهرها. كلما اقتربنا من اخر الزمان كلما اصبحت اتباع الحق صعبا وقل انصاره واصبحت الادله الماديه التي تقنع به قليله جدا. محامو الحق يخسرون معظم قضاياهم. اذا قلت ان قناة فتافيت هي مضيعه للوقت وان كثرة العمل على الطعام والتفكير فيه والاعداد له وتحويله الى لوحات فنيه وانت تعرف اين سينتهي به المطاف هدر للعمر ولطاقات الانسان يانيك الجواب ان الطهي هوايه مثل الخياطه مثلا. واذا قلت ان القنوات الترفيهيه للاطفال التي تعرض الاغاني طوال اليوم هي كالسم في جسم العرب اتاك الجواب بان تلك القنوات تحث على الصلاه وعلى بر الوالدين وترغب الاطفال بالاسلام. ولكن الاسلام لا يريد اناسا ترغب فيه لانهم سمعوا عنه في اغنيه. واذا رفضت عرضا مغريا لوظيفه ذات جاه ونفوذ لانك تخاف معها من الوقوع في الحرام لانك لا تعرف ان كنت تجيدها فانك ابله خامل ضعيف الهمه. المشكله هي انه مع الاشياء المهمه, الاشياء ذات الابعاد المتعدده, مثل الايمان وكيف يكون والحق ومع من يكون, يجب على الانسان ان يحسها اولا ليفهمها فيما بعد. يحدس قلبك, فتحس بامر ما انه صحيح او انه خاطيء, ثم اذا وفقط اذا تبعت احساسك, تلقي الايام في طريقك بالادله التي تثبت صدق ذلك الاحساس. الله لا يريد للحق ان يكون ظاهرا تماما لكيلا يصل اليه الا من يستحقه, ولا يريده ان يكون مع الحياة الناعمه, لان الناس سيريدونه لاجل السعاده في الحياة وليس لاجل ذاته. يقول سيدنا الحسين بن علي "الناس عبيد الدنيا والدين لعق على السنتهم يحوطونة ما درت معائشهم فاذا محصوا بالبلاء قل الديانون". الوضع هو التالي: الله مستغن عن البشر ولا يسعى للتحالف معهم كما يفعل الشيطان. انه فقط يبين لهم طريق الخير وطريق الشر واين يقودهم كل من الطريقين. وايضا يبين لهم وعورة الرحلة وخطورتها ويزودهم باسلحه تمكنهم من العبور بسلام. لكنه لا يحمل الناس على اخذ اسلحتهم قسرا ان هم ارادوا تركها في بداية الطريق او في اي نقطة قبل النهايه. اما الشيطان فله اساليب دونيه وهو ملحاح خبيث نهاز للفرص. نعم, لقد زودنا الله باسلحه صغيره دقيقه فعاله لكل لحظه من لحظات اليوم, ولكن المشكله هي الوقت. لقد سرق الشيطان وقتنا بحجة توفير وقتنا. صرنا نضيع ساعات عديده في التفكير في طرق لتوفير الوقت. ونقضي الليل ارقين لاننا نخاف من ان نأرق, فوراءنا في صباح اليوم التالي ملايين الاشياء التي لا تنفع ولا تضر والتي يجب علينا القيام بها. لنذهب الى العمل وان كنا غير محتاجين ماديا, فقط "لنثبت وجودنا", هل سمعتن ايها النساء؟ اذا لم تضعن العطور وتتمايلن امام اعين الرجال وترقصن على اعصابهم بكعوب عاليه وتجعلن انفسكن عرضة لانظار من هب ودب, فهذا يعني انكن غير موجودات. نفعل اي شئ ليلهينا ويشغلنا الى ان يحين اجلنا. او اذا كنا ممن كتب الله لهم ان يشهدوا المعركه الاخيره, اي شئ ليشغلنا حتى تحين المعركه الاخيره. حينئذ (لاينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل.) لابد للشر من قائد كما لابد للخير من قائد . لقد عبد الشيطان الله لمدة طويله حينما كان في الجنه . ونظير عبادته تلك ولان الله لايظلم احدا فقد اعطى الله للشيطان بعض الصلاحيات في الدنيا وفي الدنيا فقط. فهو يرى البشر و هم لا يرونه, وقد اخر الله اجله الى يوم القيامه, واصبح له اعوان وانصار كثيرون, كل ذلك بناء على طلبه. فاستخدم الشيطان هذه الصلاحيات ليتشبه بالله, فهو يعد ويتوعد, ويرغب ويرهب, واتخذ له عالما يكون فيه سيدا وهو هذه الدنيا. واخذ يرغب الناس بالعمل لها. وعالما احتقره واستصغر شأنه واعتبره سرابا وهو الآخره. تماما كما استصغر الله الدنيا واستعظم الآخره. نجح الشيطان في اخفاء هويته و تلوين نفسه بكل لون حتى لقد ادخل عبادته الى اكثر الديانات انتشارا في العالم و جعلها عبادة له وان كانت في ظاهرها عبادة لله. وسن طقوسا عباديه مشابهه للطقوس العباديه الحقه لله الواحد. لقد نجح في تطويق الناس فلا يستطيعون فرارا منه. فمن اتجه للعلمانيه الماديه فهو الى الشيطان ومن اتجه الى ان يجعل لله شركاء فهو الى الشيطان ومن اتجه الى ديانه تجعل من الله بشرا ولدته امرأه فهو الى الشيطان. هناك شركه عالميه متعددة المنتجات باسم "بروكتر اند كامبل", تصنع, من ضمن ما تصنع مجموعه من مساحيق التنظيف. لكن قسم التسويق في تلك الشركه اتبع خطه ذكيه جدا تقتضي التركيز على كل من تلك المنتجات باسمه الخاص وليس باسم الشركه. فمن يشتري احد تلك المستحضرات ويتسبب المستحضر في تدمير ملابسه, سيشتري منتجا آخر ظنا منه انه منتج منافس ولكنه لا يدري ان الاثنين يأتيان من الشركة نفسها. والناس يهربون من الوثنيه الى الكنيسه, ومن الكنيسه الى الالحاد, ولكن كل من مارس طقوسا و رقص عاريا في الغابه اوعوى على ضوء القمر او سجد للشمس او ادى صلاة لعقله الباطن ليحصل على ما يريد, سواء المال, الشهره, السلطه, السلام النفسي فانه يتبع اجندة الشيطان. من اهم ما يساعد الشيطان على اجتذاب "زبائنه" ان مكافآته دنيويه. فهو سيد هذه الدنيا. فبعض الناس لا يعتقد اصلا بوجود عقاب اخروي, وحتى الذين يعتقدون بوجوده, يعلمون بانه سيحدث في حياة خرى, لذا فهم يطيعون الشيطان لتحقيق مكاسب او لذات آنيه. هذه هي طبيعة اغلب البشر, تمتع الآن, ادفع لاحقا, على طريقة "البطاقات الائتمانيه". والتي هي بالمناسبه, فكره جهنميه اخرى لتسويق البضائع فالشيطان هو... سيد المسوقين.

No comments:

Post a Comment