Monday, October 29, 2012
السعاده
كنت وانا في اوج سعادتي, بل حتى في احلام اليقظه -والمرء يستطيع ان يكون ما شاء في احلامه- كنت في تلك اللحظات اسال نفسي وماذا بعد؟ والان وصلت الى اللحظه المنشوده, اللحظه التي يعترف فيها بي الجميع كاعظم من مشى على وجه الارض, كاكمل ما في الوجود من البشر, ثم ماذا؟ انتهت تلك اللحظه وشربت هناءها الى نهايته, وماذا بعد؟ انها ستنتهي عاجلا او اجلا مثل اي شيء اخر في هذا العالم.
السعاده التي نعرفها نحن هي سعاده وقتيه تزول بزوال مسبباتها. انها حاله قلقه جدا لا تدوم ولا يمكن ان تدوم لانها تتاثر بسوعه بالمحيط فنحن وفي قمه سعادتنا اذا راينا شخصا حزينا فانه يؤثر فينا على الرغم منا وشيئا فشيئا تبدا تعاسة العالم -واحيانا سعادته- بالتاثير فينا حتى نعود سيرتنا الاولى.
انا اشعر بسعاده لانني اخيرا وجدت امرا احب ان افعله, كتابة مدونتي. اشعر انني من الابطال الخارقين, من خدم الرب, من جند الحق, صوت من اصوات العقل في هذا العالم المجنون, وهذا يسعدني. ولكنني دائما اتسائل: اذا تغير الوضع بشكل او باخر, اذا لم اتمكن من الاتصال بالانترنت لسبب ما فهل استمر في البحث عن الحق؟ ام هل ساشعر بالملل والانزعاج؟
نحن وان كنا نسعى وراء السعاده ولكنها ليست سعاده حقيقيه فالغني سعيد ولكنه يشعر بالملل ويبحث عن اشياء اخرى تبهجه والصحيح البدن سعيد بصحته ولكنه لا يذكرها حتى يمرض حينئذ تتملكه التعاسه ويتمنى لو عاد صحيحا مرة اخرى والناجح سعيد بنجاحه حنى يرى من هو اكثر نجاحا وعندها يبدو نجاحه باهتا ويبدا بالبحث عن مشاريع اخرى.
السعاده الحقيقيه هي السعاده التي يبحث عنها قله منا وهي السعاده التي لا تحتاج الى مسبب ولكنها مستقرة في القلب. ما الذي يبهجنا؟ مالنا؟ شبابنا؟ اهلنا؟ بيتنا؟ اولادنا؟ ولكن اي من هذا لن يبقى وحتى ان بقي فان فرحنا به سيزول وحماسنا بامتلاكه سيتضائل , ليس فقط لاننا اناس متقلبون وانانيون "قتل الانسان ما اكفره" و لكن لان الدنيا -ببساطه- تدور وما دامت الدنيا تدور فستغير كل شيء في دورانها. في لحظه واحده تنقلب الدنيا راسا على عقب ولن يبقى لنا شيء. ولكن اذا وجدنا السعاده في الايمان, اذا كان قلبنا عامرا بحب الله فلن يهمنا ان اقبلت الدنيا او ادبرت. انها سعادة لن يهم معها اي حزن من اي نوع. انها سعادة تكون مع الانسان حتى وهو في مرض الموت. ولكن الناس لسبب ما لا يبحثون عن هذه السعاده بل وينعتونها باسماء اخرى مثل الرضا والاستسلام والقناعه. نظرتنا المشوهه للسعاده, تلك النظره التي ورثناها من اهلنا ومجتمعنا هي انه لا بد ان تكون سعادتنا سيفا مسلطا على رقاب العباد لكي نشعر بها.
وكم من الناس ممن تجد لديه كل مقومات السعاده واسبابها ولكنه غير سعيد ومنهم من لا تفتأ الدنيا توجه اليهم ضربه بعد اخرى وتملا قلوبهم بالهموم والاحزان ولكنهم يجدون مكانا للتفاؤل والامل وحتى السعاده فيها.
لكي تعرف ما اذا كنت شخصا سعيدا او لا فاختبر نفسك مستعملا الايه الكريمه "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم اول مره وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم". تصور نفسك وقد تركت كل ما "خولك" الله, اي كل امر لست تمتلكه فعليا وسيسقط عنك بالموت, اي ببساطه كل ما تملك في هذه الدنيا. ماذا سيبقى لك؟ ظاهريا سوف لن يبقى لك شيء ولكنك اذا كنت ممن لهم قلب عامر بحب الله او على الاقل كنت ممن يانسون بالله فلن تهم تلك الامور كثيرا وستكون مطمئنا الى ان الله سيعوضك عنها باحسن منها, ان لم يكن في الدنيا ففي الاخره.
بل حتى العمل الصالح مثل خدمة الناس ومساعدتهم او الاجتهاد في كسب الرزق الحلال وغيرها, انها ليست مطلوبه لذاتها ولكنها مطلوبه لتقربنا من الله. احيانا نبدا بعمل هذه الاشياء لنكسب الثواب ونزداد قربا من الله ولكنها فيما بعد تصبح مصدر سعادتنا ويحل حبها في قلوبنا محل حب الله. هؤلاء الناس لايجدون وقتا للارتباط بالله وتذكره بحجه انهم مشغولون بعمل نافع, وهذا جيد, العمل احسن من اللاعمل, ولكن الله يريد منا عمل ما يريده هو, لا ما يعجبنا نحن. مثلا انسان يبخل بوقته على اهله ولا يقضي معهم الوقت اللازم لينشؤوا نشاة صالحه ولكنه لا يتردد في قضاء يوم كامل الى جانب مريض في المستشفى حتى وان لم يكن امرا ضروريا. ومثل ذلك الذي يبخل بماله على عياله ولكنه مع الناس كريم معطاء. البعض منا ينغمس في العباده الى درجه لا يعرف معها اي شيء اخر وينقطع عن الدنيا ويظن ان هذا يكفي ولكنه لا يكفي, الاسلام الحق يخلق اناسا متكاملين متزنين, يحرثون حقولهم ويزرعون كان الدنيا ستدوم الى الابد, ثم يرمون معاولهم ويذهبون الى القتال حين يستدعيهم الواجب لذلك وكان الدنيا لم تخلق لهم, ويتعبدون في جوف الليل وكان الشمس لن تطلع عليهم. من الصعب لنا الاحاطه بكل هذاولكن علينا ان نحاول. لهذا يحثنا الله على الذكر الدائم, انه لا يفعل ذلك ليتعبنا او من غير هدف محدد, حاشا لله من هذا. ذكر الله يحقق لنا التوازن ويمنعنا من الانجراف وراء الاشياء ويبقينا دائما مستعدين للتغيير حسب ما يريده الله تعالى.
وبالمناسبه ما من عيب في الحزن. الله يحب الحزن. الحزن يشحذ همتنا ويوقد ذكاءنا ويفتح اعيننا على امور لم ندركها من قبل. الحزن يذيب شوائب النفس كما تذيب النار شوائب المعادن. عند الحزن نفهم ما يدور حولنا كما لم نفهمه من قبل. الحزن دليل على اننا ادركنا وجود خطا ما وهذا الادراك هو اول خطوات الاصلاح. اذا دخلت في حاله من الحزن فلا تتعجل بالخروج منها بان تلهي نفسك بمختلف انواع اللهو والنشاطات لانك تظن انك لن تستطيع تحمل هذا الكم من الحزن, بل تستطيع وستكون انسانا افضل بسببه.
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
No comments:
Post a Comment